منوعات

((حماية النشء من خطر الاكتئاب والعزلة))

لعل من أخطر المراحل العمرية مرحلة المراهقة، والتي يتم فيها التغيير الفكري، وتكوين الشخصية، فضلاً عن الثورة الداخلية على الموروثات والعادات والتقاليد، والسعي لإثبات الذات ولو بجذب الانتباه بسلوكيات شاذة عن الإطار الأسري والمجتمعي.
وبعد تلك المرحلة من التغيير فإننا نقف موقف المتحيّر والناقد، ونسرع في تقديم العلاج والذي ربما لا يجدي في بعض الحالات؛ لتفاقم الأمر وتأخر اكتشافه،وظهوره فجأة على حين غفلة من المتابعة والاحتواء.
لذا من الضروري السيطرة على الأمر قبل حدوثه حتى من بداية تكوين الجنين في رحم أمه؛ فنتبع معه أسلوب الحوار والاحتواء والاحتضان، والتربية بالقدوة، وكذا وضع النشء أمام نفسه للوقوف على عيوبه وكيفية التغلب عليها، ومميزاته وكيفية تعزيزها، ونعلمه النظرة النقدية لذاته أولاً وللآخرين بهدف الإصلاح الذاتي والمجتمعي.
وفي الاعتبار لابد وأن نحيط النشء بالثناء المصحوب بابتسامة صافية تزيد من حماسته، ونقده بأسلوب يزيد من عطائه ولا يحبط عزيمته.
إن إقحام النشء في الحياة العامة بكل متطلباتها لهو خير سبيل لتكوين المعرفة المجتمعية الواقعية والتي من خلالها يستطيع التعايش في العالم الواقعي دون أن يتفاجأ به، بعكس ما إذا كان منطوياً على نفسه متعايشاً في عالم افتراضي خلف الشاشات.
إضافة إلى ذلك تعويد النشء منذ نعومة أظفاره على المصداقية ونقد الذات وتقبلها، وشجاعة الاعتراف بالخطأ والاستعداد الكامل لتغييره، وكذا شجاعة التعبير عن كل ما يدور بخلده من مشاعر وأفكار ربما تصبح سلوكاً في المستقبل.
ومن الجنايات التي لا تغتفر إرهاق النشء والضغوط عليهم لتحقيق طموحات الآخرين بحجة أن المجتمع لن يتقبلهم إلا بتحقيق ذلك، كما لو تم البث في فكر النشء أنه لن يكون لك كيان في المجتمع إلا إذا أصبحت طبيباً او مهندساً أو سفيراً أو إذا كنت تعمل في وظيفة مرمومقة إلى غير ذلك من التطلعات والتي قد لا تتناسب مع طموحات وميول النشء أصلاً، فيعيش في صراع مستمر، وخوف دائم من الفشل، وإذا ما أخفق أو ضعفت قدرته سخط على المجتمع الذي يخيّل إليه أنه سوف يعيره بذلك، وربما اعتزل المجتمع لعدم قدرته على مواجهته بشخصيته الأصلية والتي يخشى عدم تقبل المجتمع لها.
إننا بذلك نزرع فيه عدم الإحساس بقيمته الذاتية والجوهرية المتمثلة في القيم والمبادئ والرضا والسلام الداخلي، ونغرس فيه حب القيمة المظهرية التي تعتمد على حسن الملبس والمأكل والتنزه ونوع الشهادة الدراسية التي يحملها.
النشء أمانة، وعلينا رعايته حق رعايته، والله الموفق.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى