معلومات دينية

هود عليه السلام

كتبت : منار بدر

هل يمكن أن يظلم الإنسان نفسه بنفسه ؟ هل يمكن للتقليد الأعمى أن يرمي بصاحبه في العذاب والهلاك ؟!
هذا ما فعله قوم عاد فكانوا السبب في هلاكهم، وظلوا متمسكين بعادات وضلالات آبائهم فأهلكهم الله بعصيانهم . فمن هم قوم عاد ؟ ومن الذي أُرسل إليهم ؟

هم عرب كانوا يسكنون الأحقاف ( جبال الرمال ) باليمن بأرض مطلة على البحر يُقال لها الشحر، واسم واديهم (مغيث ) ، وكانوا كثيرًا ما يسكنون الخيام ذوات الأعمدة الضخمة كما قال تعالى ” ألم تر كيف فعل ربك بعاد ، إرم ذات العماد “

وكان قوم عاد ضخام الجسد ،عمالقة ، فكانوا أشد أهل زمانهم في الشدة والبطش جفاة كافرين متمردين في عبادة الأصنام ؛ فهم أول من عبد الأصنام بعد الطوفان ، وكانت أصنامهم ثلاثة : صمدا ، وصمودا، وهرا .
فبعث الله فيهم أخيهم هوداً فدعاهم إلى عبادة الله والإخلاص له ورغبهم في طاعته ووعدهم على ذلك خير الدنيا والآخرة ، وتوعدهم على ذلك عقوبة الدنيا والآخرة ، كما في قوله تعالى ” وإلى عادٍ أخاهم هوداً قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إلهٍ غيره أفلا تتقون ، قال الملأ الذين كفروا من قومه إنا لنراك في سفاهة وإنا لنظنك من الكاذبين “

وظلموا أنفسهم وكذبوا هوداً وخالفوه وتنقصوه واعتبروا ما دعاهم إليه سفه، فكان رد هود عليهم بأنه لا يدعوهم لأجر يبتغيه منهم بل يدعوهم ابتغاءً لوجه الله عز وجل وأجره على خالقه ، ويستنكر عليهم عقلهم الذي لا يميز الحق الواضح ! كما قال تعالى ” يا قوم لا أسألكم عليه أجراً إن أجري إلا على الذي فطرني، أفلا تعقلون “

فقالوا له : أنت لم تأتنا بعلامة تشهد على صدقك ، فلماذا نترك عبادة أصنامنا عن مجرد قول بلا دليل ، فلا نظن إلا أنك مجنون قد غضبت عليك آلهتنا فأصابت عقلك ، كما قال تعالى ” يا هود ما جئتنا ببينة وما نحن بتاركي آلهتنا عن قولك وما نحن لك بمؤمنين ، إن نقول إلا اعتراك بعض آلهتنا بسوء “
فتحداهم هود عليه السلام، وتبرأ من آلهتهم، وبين أنها لا تنفع ولا تضر فهي كالجماد ، فتحداهم وتحدى آلهتهم فإذا كانوا على حق فليكيدوه هم وآلهتهم بكل ما يقدرون عليه فهو لا يبالي بهم ، كما قال تعالى : ” قال إني أشهد الله واشهدوا أني برئ مما تشركون ، من دونه فكيدوني جميعاً ثم لا تنظرون “
فهو متوكل على الله ، واثق بجانبه ، فلا يضيع من لاذ به واستند إليه .
وهذا في حد ذاته دليل قاطع بالنسبة لقومه على جهلهم وضلالهم وعلى وجود الله ؛ فهم لم يصلوا إليه بسوء ، ولم ينالوا منه مكروهاً .

واستبعد قوم عاد أن يبعث الله رسولاً بشرياً ، كما قال كثير من جهلة الكفار ، فرد عليهم هود بأن الله أعلم حيث يجعل رسالاته ، ولم يكتفوا بذلك الجهل والتمرد فأنكروا البعث ، وأنكروا قيام الأجساد بعد أن تصبح ترابًا كما قال تعالى ” إن هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما نحن بمبعوثين “

ثم استنكروا على هود أن يدعوهم لعبادة الله وحده ويخالفوا ما كان عليه آباؤهم وأسلافهم ، وأخبروه بأنهم لن يتبعوه ولن يؤمنوا به فليأتيهم بالعذاب إن كان صادقًا فهم سيظلون متمسكين بدين آبائهم وأجدادهم ، فأخبرهم هود بأنهم استحقوا غضب وعذاب الله فهل تعارضون عبادة الله بسبب أصنام أنتم من صنعتموها بأيديكم ؟ لم يُنزل الله برهاناً عليها تماديتم في الباطل وأبيتم قبول الحق فانتظروا عذاب الله الواقع بكم ، وبأسه الذي لا يُرد ، ونكاله الذي لا يصد .

وذكر المفسرون والإمام محمد بن إسحاق أنه لما أبوا إلا الكفر بالله عز وجل ، أمسك عنهم القطر لثلاث سنوات حتى جهدهم ذلك ، وكان الناس حينها إذا جهدهم أمر يذهبون إلى البيت الحرام ليطلبوا الفرج من الله ، فبعث عاد وفدًا قريبًا من سبعين رجلاً ليستسقوا لهم عند الحرم ، فدعوا لقومهم وكان داعيهم هو ( قيل بن عنتر ) ، فأنشأ الله سحابات ثلاث : بيضاء ، وحمراء ، وسوداء ، ثم ناداه مناد من السماء اختر لنفسك أو لقومك من هذه السحاب ، فقال : اخترت السحابة السوداء فإنها أكثر السحاب ماءً ، فناداه مناد : اخترت رمادًا رمددا لا تبقى من عاد أحدًا ، وساق الله السحابة السوداء التي اختارها قيل بن عنتر بما فيها من النقمة إلى عاد حتى تخرج عليهم من واد المغيث ، فلما رأوها استبشروا وقالوا : هذا عارض ممطرنا كما قال تعالى ” بل هو ما استعجلتم به ريح فيها عذاب أليم ، تدمر كل شئ بأمر ربها “

فكان عقاب الله لعاد الأولى ريح تحمل العذاب الأليم ؛ فكانت ريحاً عقيماً لا تنتج خيرًا ، ولا تثير سحابًا، ولا تلقح شجرًا، فتأتى على الشئ فتجعله فانيًا باليًا لا يُنتفع به ، فسخرها الله عليهم لسبع ليال وثمانية أيام تباعًا ، واعتزل هود عليه السلام في حظيرة هو ومن معه من المؤمنين .

وكانت الريح تجئ إلى أحدهم فتحمله فترفعه في الهواء ثم تنكسه على أم رأسه فيبقى جثة بلا رأس لذلك شبههم الله تعالى بأعجاز النخل التي لا رءوس لها كما يقول تعالى ” فترى القوم فيها صرعى كأنهم أعجاز نخل خاوية ” .

وفي رواية مسلم عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا عصفت الريح قال : ( اللهم إني أسألك خيرها ، وخير ما فيها ، وخير ما أرسلت به ، وأعوذ بك من شرها ، وشر ما فيها، وشر ما أُرسلت به ) وقالت : أنه إذا غميت السماء تغير لون رسول الله ، وخرج ودخل ، وأقبل وأدبر، فإذا أمطرت سرى عنه ، فعُرف ذلك في وجهه ، قالت عائشة : فسألته فقال : (( لعله يا عائشة كما قال قوم عاد : ” فلما رأوه عارضاً مستقبل أوديتهم قالوا هذا عارض ممطرنا “

فالشرك بالله من الكبائر ، وشرك قوم عاد وعصيانهم وعدم أخذهم بالنصيحة ، وتقليدهم الأعمى لما كان عليه آباؤهم هو ما أوقعهم في هذا العذاب الأليم ، وإخلاص هود لله هو ما نجاه ومن معه من المؤمنين ، فأعاذنا الله من الشرك به .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى