أخبار العالم

الصراعات الداخلية فى اثيوبيا

صراعات مسلحة وقتل وتهجير؛ مشهد بات متكررًا في الأخبار الإثيوبية خلال الشهور الماضية، ما بين الحرب في تيجراي، ومظاهرات ضد حكومة آبي أحمد قوبلت بالعنف، والعنف المسلح في أمهرة، وأخيرًا سيطرة مسلحين على مناطق في ولاية بني شنقول التي تضم سد النهضة الإثيوبي، كلها أحداث توحي بتأزم المشهد الداخلي في إثيوبيا مع اقتراب موعد الانتخابات الإثيوبية المقرر عقدها في يونيو القادم. كلها تحديات قد تقوض إمكانية إجراء الانتخابات في موعدها، وتهدد برحيل آبي أحمد من السلطة، وفي السيناريو الأسوء تفكك إثيوبيا.

سيطرة مسلحين على مناطق في “بني شنقول”

في تطور هو الأحدث على الساحة الإثيوبية، أفادت وسائل إعلام إثيوبية، سيطرة مجموعة مسلحة على بعض المناطق في ولاية بني شنقول التي بُني فيها سد النهضة، حيث ذكرت صحيفة “أديس ستاندرد” الإثيوبية نقلًا عن اللجنة الإثيوبية لحقوق الإنسان التابعة للحكومة الإثيوبية، إن مسلحين يسيطرون بالكامل تقريبًا على أجزاء واسعة من مناطق سيدال ويريدا، في منطقة كاماشي بولاية بني شنقول الإقليمية، وذلك اعتبارًا من 19 أبريل، ولم تذكر الجماعة المسلحة التي كانت تشير إليها.

وقالت المفوضية في بيان أصدرته في ساعة متأخرة من مساء الأربعاء إن الجماعة المسلحة قتلت مدنيين بمن فيهم موظفين محليين ومسئولين في إدارة المناطق وسكان، كما دمرت ممتلكات خاصة وحكومية.

وذلك في ظل انخفاض أعداد قوات الأمن في المنطقة نتيجة انشغال حكومة آبي احمد بالقتال في تيجراي وعلى أكثر من جبهة أخرى، فضلا عن خسارة الجيش الإثيوبي لجزء كبير من معداته في حربه مع التيجراي. هذا التطور أجبر الجيش الإثيوبي على سحب بعض وحداته من إقليم تيجراي، وتوجيهها لاستعادة المناطق التي سيطر عليها المسلحون، مما يضع عبئًا إضافيًا على القوات الإثيوبية. وكذلك فإم فتح جبهة جديدة بالتزامن مع الانتخابات المقبلة سيمثل تحديًا كبيرًا أمام إجرائها.

ويذكر أن ولاية بني شنقول-جومز التي تعد موطنًا لكثير من الجماعات العرقية، كانت قد شهدت تصاعدًا في أعمال العنف في الأشهر الأخيرة، بما في ذلك هجوم دموي على مدنيين في ديسمبر 2020، أسفر عن مقتل أكثر من 200 مدني، وذلك بعد يوم من زيارة رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد للمنطقة. وشهدت في مطلع يناير الماضي مجزرة راح ضحيتها العشرات من الأبرياء في هجوم لجماعة مسلحة، نتج عنها إعلان وزارة الدفاع الإثيوبية فرض حظر تجول وقيود أمنية مشددة في المنطقة.

ويمثل إقليم بني شنقول-جومز، أهمية خاصة حيث يضم عددًا كبيرًا من القبائل، بالإضافة إلى احتضانه مشروع سد النهضة على النيل الأزرق، على بعد حوالي 40 كيلومترًا من الحدود السودانية، وتقطن الإقليم قبائل لها امتدادات داخل الأراضي السودانية كقوميات البرتا والجومز التي يسمى باسمها الإقليم الإثيوبي نفسه.

العنف في أمهرة يدق جرس الإنذار برحيل آبي

في سياق متصل، تكافح إثيوبيا لإحتواء الأزمة التي اندلعت في إقليم أمهرة بين عرقيتي الأورومو والأمهرة الرئيستين بالبلاد، في وقت سابق من هذا الشهر، مما دفع السلطات الإثيوبية إلى نشر قوات في أمهرة للحد من أعمال العنف وفرض حالة الطوارئ في 3 مقاطعات بإقليم أمهرة إثر أعمال عنف مسلحة، استهدفت مدنيين في مناطق شمال شوا ومقاطعات أوروميا الخاصة بإقليم أمهرة، أسفرت عن وقوع خسائر بشرية وأضرار بالممتلكات، في أحداث تعد الأسوأ خلال الفترة القصيرة الماضية، حيث تشير التقارير إلى إرتفاع أعداد القتلى إلى ما يزيد عن 18 شخصًا، من بينهم نساء وأطفال وفرد أمن أمهرة، قُتلوا بالأسلحة النارية، وطُعن بعضهم، ليضافوا إلى مئات آخرين قتلوا في مارس يصل عددهم إلى نحو 300 شخص، بالإضافة إلى إحراق 1539 منزلًا في منطقة أمهرة الشهر الماضي.

ووفقًا لتقارير إعلامية، اتهمت حكومة إقليم أمهرة جماعة “أونق شني” المسلحة المنشقة عن جبهة تحرير أورومو، بقيادة “كومسا دريبا” المعروف بـ”جال ميرو”، بالوقوف خلف هذه الأحداث، وتتمركز “أونق شني” في مناطق حول مدينة “نقمتي” بأوروميا، واتخذت من جنوب أوروميا قاعدة لعملياتها في منطقة غرب “غوجي”، إلى جانب مناطق “وللغا”، و”قلم”، و”هورو غودور”، وتتهمها حكومة الإقليم بتنفيذ أعمال قتل من وقت لآخر بالمنطقة، راح ضحيتها مدنيون ورجال شرطة في أوقات سابقة.  

مظاهرات حاشدة ضد حكومة آبي أحمد

وفي ذات السياق، كانت أحداث الهجوم الأخيرة هي الدافع  وراء خروج آلاف الأشخاص إلى شوارع العاصمة الإقليمية لأمهرة، للاحتجاج على عمليات القتل وللتظاهر ضد حكومة آبي أحمد، على خلفية التكاسل عن إحتواء الموقف، وتعريض حياة المئات للقتل ونزوح الالآف، وبما وصفوه بأنه “عمليات التطهير العرقي ضد الأمهرة”، على الرغم من أن الإقليم سبق وأن دعم آبي أحمد خلال الحرب التي شنها على إقليم التيجراي المعارض نهاية العام الماضي،  حيث شهدت مدينة بحر دار أهم مدن الإقليم، إلى جانب مدينتي دبري مارقوس وولديا، لليوم الرابع على التوالي، مظاهرات تندد بالهجمات في إقليم أمهرة وأعمال العنف المستمرة بحق مواطني الأمهرة، وصمت الجيش والحكومة بقيادة آبي أحمد على الانتهاكات التي تقع بحق شعب الإقليم.

https://watanimg.elwatannews.com/image_archive/original_lower_quality/16858541611619087318.jpg

سرعان ما تحولت الاحتجاجات إلى موجة غضب ضد حزب “الازدهار” الحاكم بقيادة رئيس الوزراء آبي أحمد، بالإضافة لكبار المسؤولين في ولاية “أمهرة”، ورفع المتظاهرون لافتات وهتافات تنتقد رئيس الوزراء آبي أحمد، وقاموا بتمزيق صوره، ولافتات حزبية كبيرة معلقة في المدن الأمهرية، وامتدت الاحتجاجات، اليوم الخميس، إلى أماكن تشمل مدينة “جوندر” التاريخية وكذلك “ديبري بيراهان”، ومدن “ديبري تابور وكوبو وكومبولاتشا وأديت”، وفقًا لصحيفة «أديس استاندرد».

وبدلًا من احتواء الأزمة، زعم حزب “الازدهار” الحاكم أن المسيرات الاحتجاجية المناهضة للحكومة اختطفتها قوى عازمة على زعزعة استقرار البلاد، بما في ذلك الجبهة الشعبية لتحرير تيجراي، وجبهة تحرير أرومو الإسلامية، ومتمردي جومز في إقليم بني شنقول، لكنه في المقابل اعترف بوجود ما وصفه بـ”نقاط ضعف” داخل هيكل حزب “الازدهار”، وتعهد بالعمل على إصلاحه. ولاقى البيان رد فعل غاضب من المتظاهرين الذين يعتقدون أن حكومة آبي أحمد وحزبه الحاكم منفصل عن الواقع، ولا يلبي تطلعاتهم.

وتجدر الإشارة هنا إلى أن العنف الوحشي أصبح سائدًا في إثيوبيا ما بعد آبي؛ إذ ارتفع عدد القتلى بسبب العنف السياسي على المستوى الوطني بنسبة 33 في المائة في السنوات الثلاث منذ عام 2018، مقارنة بخط الأساس قبل عامين. وشهدات أعمال العنف في ولايات مثل ولاية بني شنقول جومز زيادة بنسبة 974 في المائة في السنوات الثلاث منذ أن تولى آبي منصبه وفقًا لبيانات موقع النزاع المسلح (ACLED). بالإضافة إلى ذلك، شهدت تيجراي القفزة الأكثر دراماتيكية في العنف بنسبة 1690 في المائة.

تحديات أمام إجراء الانتخابات في موعدها

أعلن مجلس الانتخابات الإثيوبي الأسبوع الماضي، أن مخاوف أمنية عرقلت عملية التسجيل في حوالي 8% من مراكز الاقتراع ببعض أقاليم البلاد، بما يعادل 4126 مركز اقتراع من بين أكثر من 50 ألف مركز انتخابي. ووفقاً للجدول الزمني الذي حدده مجلس الانتخابات في إثيوبيا، كان من المقرر أن ينتهي عملية تسجيل الناخبين يوم الجمعة 23 أبريل، قبل أن يكشف مجلس الانتخابات رغبته في تمديد العملية التي بدأت في 25 مارس الماضي.

وتعد الانتخابات المقبلة السادسة من نوعها منذ إقرار البلاد الدستور الوطني عام 1994، والأولى في عهد رئيس الوزراء آبي أحمد. وأوضحت رئيسة مجلس الانتخابات الإثيوبي، إنه بسبب المخاوف الأمنية، تأخر توزيع مواد الانتخابات ولم تبدأ عملية تسجيل الناخبين في بعض مناطق “بني شنقول جومز” (غرب)، وأوروميا وأمهرة وإقليم شعوب جنوبي البلاد، مما ينذر بأن الانتخابات المقرر عقدها في يونيو المقبل من المحتمل ألا تتم في الموعد المحدد.

وختاماً، تأتي هذه التطورات تزامنًا مع أزمة تواجهها إثيوبيا على الحدود مع السودان، فضلًا عن حملة عسكرية واسعة تشنها حكومة آبي أحمد منذ 6 أشهر في إقليم تيجراي، واتهامات دولية له بارتكاب جرائم “تطهير عرقي” في تيجراي، مع إدانة دولية لأعمال العنف التي يشنها آبي أحمد في الإقليم، ورفض للتدخل الإريتري في الصراع، مما يعني خسارة آبي أحمد لتضامن الغرب معه الذي حظي به في بداية فترة حكمه، هذا إلى جانب خساراته السياسية في الداخل ومعاداته لمعظم القوميات التي وقفت إلى جانبه ودعمته في السابق، مما يجعل أزمة سد النهضة تطفو على السطح مرة أخرى كفرصة أخيرة أمام آبي احمد لكسب تأييد الشعب الإثيوبي، ولكن ما يغفله آبي هو أن سياسته الداخلية لتوحيد إثيوبيا هي التي ستؤدي به إلى تصاعد احتمالية تفككها، وأنه بالرغم من صعوبة إجراء الانتخابات في هذا المناخ إلا أن تأجيل الانتخابات لن يؤدي سوى إلى مزيد من الأزمات، وكذلك فإن حل الأزمة بالعنف لن يولد سوى مزيد من العنف بين قبائل بينهم عداوات تاريخية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى